كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد عقب أدائه القسم الدستوري أمام الجلسة الاستثنائية لمجلس الشعب

17-07-2000م

كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد عقب أدائه القسم الدستوري أمام الجلسة الاستثنائية لمجلس الشعب


السيد رئيس مجلس الشعب
السيدات والسادة أعضاء المجلس

لا يسعني وأنا أقف اليوم في رحاب هذا المجلس الكريم إلا إن استهل كلمتي بالتوجه بالحمد والشكر لله العلى القدير إن شد أزرنا في هذا البلد الصامد وهيأ لنا ما ساعدنا على تحمل مصابنا الأليم كما أتوجه بالشكر لكم على ثقتكم الغالية التي منحتموني إياها والتي عبرتم عنها بإقراركم ما جاء في كتاب القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي المتضمنة ترشيحي لمنصب رئيس الجمهورية وأثمن الجهود التي بذلتموها في مناقشاتكم المتعلقة بمضمون هذه الرسالة والتي أظهرت تحليكم الرفيع بالشعور بالمسؤولية وإحساسكم الدافق بالروح الوطنية.

ومن على هذا المنبر أتوجه بالشكر الخاص لأبناء شعبنا بكل فئاته رجالا ونساء كبارا وصغارا داخل سورية وخارجها الذين منحوني ثقتهم من خلال الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء ومشاركتهم في هذا الواجب الوطني والذين أحاطوني بالحب والوفاء مما كان له أعمق الأثر في نفسي وأمدني بالقوة ومنحنى التفاؤل بالمستقبل.

إن النتيجة التي أسفر عنها الاستفتاء هي تعبير عن إرادة الشعب ولا املك إلا إن استجيب لها واقبلها راضيا وان احمل الأمانة التي تفرضها وان انهض بالأعباء واضطلع بالمهام المتعلقة بأداء ذلك الواجب في هذه الظروف البالغة الدقة والحساسية التي يمر فيها وطننا وامتنا والعالم بصورة عامة ساعيا لقيادة الوطن نحو مستقبل ننشد جميعا إن يكون محققا لأمال الشعب وتطلعاته وطموحاته المشروعة.

وهذه المهام صعبة بمقدار ما هي سهلة وسهولتها تأتى من كون القائد الخالد قد هيأ لنا أرضية صلبة وأساسا متينا وتراثا عظيما من القيم والمبادئ والتي دافع عنها وبقى متمسكا بها حتى انتقل إلى جوار ربه إضافة إلى البنية التحتية والانجازات الكبيرة في المجالات كافة وعلى امتداد ساحة الوطن التي تمكننا من الانطلاق بقوة وثقة نحو المستقبل المنشود إما صعوبتها فتأتى من حقيقة إن نهج القائد الأسد كان نهجا متميزا وبالتالي فان الحفاظ على هذا النهج ليس بالأمر السهل وخاصة إننا لسنا مطالبين فقط بالحفاظ عليه وإنما بتطويره أيضا وهذا يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد على المستويات كافة بهدف البناء على متحقق في عهده الزاهر لنعلى البنيان ونضاعف الانجازات مصممين على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر دونما التخلي عن ثوابتنا الوطنية والقومية التي رسخها في قلوبنا وعقولنا متمثلين في الوقت ذاته حكمته في تحويل الحزن إلى طاقة خلاقة والمصيبة إلى عمل وانجاز.

أيتها السيدات
أيها السادة

لقد قلتها الأمس وأقولها اليوم بأنني لا أسعى إلى منصب ولا اهرب من مسؤولية فالمنصب ليس هدفا بل هو وسيلة لتحقيق الهدف والآن وبعد إن شرفني الشعب باختياره لي رئيسا للجمهورية وبعد أن أديت القسم الدستوري وتسلمت مهامي أقول أنني تبوأت هذا المنصب ولكنني لم أتبوأ الموقع أي إن المنصب تبدل لكن الموقع بقى ذاته ولم يتغير منذ خلقت وذلك حيث أرادني الله سبحانه وتعالى إن أكون وحيثما رغب الشعب إن أقف منذ إن عرف إن هنالك شخصا أحب الشعب بصدق وأحبه الناس بإخلاص وكانوا أوفياء له وفى المكان الذي أرادني والدي وأسرتي إن أكون به وفى الموضع الذي صممت على التمسك به وصونه لأكون قويا فيه وبه ومن خلاله هذا الموقع الذي لا يتبدل يوما من الأيام هو خدمة الشعب والوطن.

فإذا بعد هذا الموقع الذي وضعت فيه ماذا يضيف عليه المنصب كنت دائما أقول لمن التقيهم أن المنصب مسؤولية لكن الموقع فرض هذه المسؤولية من قبل وقد يقول قائل بأن المنصب يعطى الشرعية لكن الشرعية هي قبل كل شيء إرادة الشعب ورغباته وأهمية تصويتكم على قرار الترشيح تأتى من كونه يمثل استجابة لرغبات الشعب الذي تمثلونه بشرائحه المختلفة من هنا نستطيع أن نقول أن المسؤولية هي مصلحة الشعب والشرعية هي رغبته وإرادته والمنصب هو الإطار الذي يجمعهما وينظم علاقتهما معا وبالتالي فان ما أضافه هذا المنصب إلى موقعي هو حمل كبير فيه محبتكم وثقتكم وطموحاتكم وأمالكم سأكون قادرا على حمله بإذن الله بدعمكم ومساندتكم.

وعلى كل مواطن شريف أن يضع نفسه في موضع مماثل لما أشرت إليه وأن يحمل نفسه المسؤولية وأن يؤمن بالشرعية حتى لو لم يكن في وضع يسمح له بتطبيق أفكاره فالمنصب لا يعطي المسؤولية بل العكس هو الصحيح هو يأخذها من الإنسان الذي يمتلكها ويسمح له فقط أن يمارسها من خلال الصلاحيات التي يمنحها له وعندما يصل إلى المنصب شخص لا يحمل شعورا بالمسؤولية فانه لا يستطيع أن يأخذ منه سوى السلطة والسلطة دون مسؤولية هي الأساس في انتشار التسيب والفوضى وتدمير المؤسسات والحالة المثلى تفترض أن يكون الكل مسؤولا ولا يعني هذا أن الكل صاحب منصب فالمناصب هي مفاصل أساسية يتم فيها تنقية وتفعيل وغربلة أداء المجتمع بشكل مستمر وباتجاهين من قاعدة الهرم إلى قمته وبالعكس وبالتالي إذا اختلت وظيفة القاعدة انعكس ذلك على أداء القمة وإذا شذ من في القمة أساء إلى القاعدة وبالتالي لا ينبني المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد ولذلك أجد من الضروري جدا أن أدعو كل مواطن لكي يشارك في مسيرة التطوير والتحديث إذا كنا فعلا صادقين وجادين في الوصول إلى النتائج المرجوة في أقرب زمن ممكن.

وبما أننا نتحدث عن التطوير والذي هو باعتقادي الهاجس الأساسي لكل مواطن في هذه البلاد وفى مختلف المجالات فلابد أن نعرف بأي اتجاه نسير وأي الطرق أفضل وما هي النتائج المطلوبة وغيرها من الأسئلة التي تشكل أجوبتها البوصلة التي تحدد موقعنا الحالي والمستقبلي وعلينا من اجل الوصول إلى ما نبتغيه إن نتحرك بالتوازي وبنفس الوقت على ثلاثة محاور أساسية:

ويتضمن طرح أفكار جديدة في المجالات كافة سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة أو بهدف تطوير الواقع الحالي.

يتضمن تجديد أفكار قديمة لا تناسب واقعنا مع إمكانية الاستغناء عن أفكار قديمة لا يمكن إن نجددها ولم يعد ممكنا الاستفادة منها بل أصبحت معيقة لأدائنا.

ويتضمن تطوير أفكار قديمة تم تجديدها لكي تتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية وكل عمل بحاجة إلى قياسات لتحديد نسبة الانجاز والتقدم فيه ومن المفيد في هذا المجال إن نستند إلى مجموعة من المعايير:

·         المعيار الأول: هو عامل الزمن الذي يفترض بنا إن نعمل على استغلاله بحده الأقصى بهدف تحقيق الانجازات التي نتطلع إليها بأقصر مدة ممكنة.

·         المعيار الثاني: وهو طبيعة الواقع الذي نعيش فيه والظروف المختلفة التي تحيط بنا الداخلية منها والخارجية.

·         المعيار الثالث: وهو الإمكانيات المتوفرة بين أيدينا للانطلاق والوصول إلى الهدف المحدد اخذين بعين الاعتبار إن الإمكانيات ليست معطيات ثابتة بل هي قابلة للتعديل باستمرار من خلال جهودنا وفعاليتنا.

·         المعيار الرابع: وهو المصلحة العامة وفيها تلتقي كل المعايير السابقة ومن خلالها تتحدد وهى معيار وهدف في وقت واحد إذ ما قيمة أي عمل نقوم به لا يكون رائده المصلحة العامة.

ولكن للقيام بالتحرك المطلوب ونحن واثقون من بلوغ النجاح لابد من إن تتوافر لدينا مجموعة من الأدوات أهمها الفكر المتجدد واعني به الفكر المبدع الذي لا يتوقف عند حد معين ولا يحصر نفسه في قالب واحد جامد وكم نحن بحاجة إليه اليوم وغدا لدفع عملية التطوير قدما إلى الأمام، والبعض يعتقد إن هذا الفكر المتجدد مرتبط بالسن أي يغلب وجوده عند الشباب وهذا غير دقيق تماما فبعض الأشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكرا والبعض الأخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله ما يزال يضج بالحيوية والتجدد والإبداع.

أيضا نحن بحاجة ماسة إلى النقد البناء وهو تماما بعكس النقد الهدام والذي نراه يغلب في أحيان كثيرة على طروحاتنا لأسباب مختلفة منها ما هو شخصي ومنها ما هو غير ذلك ولكي نكون بنائين في نقدنا لابد لنا إن نكون موضوعيين في تفكيرنا والموضوعية تتطلب منا إن ننظر إلى أي موضوع من أكثر من زاوية وضمن أكثر من ظرف وبالتالي نحلله بأكثر من طريقة ونصل من ثم إلى أكثر من احتمال أو على الأقل للاحتمال الأقرب إلى الصحة أو الاحتمال الأفضل وعلينا الابتعاد عن النقد بهدف استعطاف البعض أو استثارة التصفيق من البعض الأخر أو بهدف الاستفزاز أو الإساءة إلى الآخرين ففي ذلك هدر للجهود ومضيعة للوقت نحن بغنى عنها وعندما نقول نقد بناء ورأى موضوعي فهذا يعنى بالضرورة النظر بصورة متكاملة للقضايا موضوع النقد بحيث نرى الايجابيات كما نرى السلبيات وبذلك نتمكن من زيادة الايجابيات على حساب السلبيات وهذا هو جوهر أي تطوير.

ونحن نتكلم عن الأدوات فإننا لا يمكن إن نتجاوز المساءلة فهي عملية متكاملة لا يمكن تجزئتها وتبدأ من القاعدة والأساس ومن الوحدة الصغرى في المجتمع وهى المواطن وتنتهي بالمؤسسات فإذا لم يقم كل مواطن بمساءلة نفسه ومراقبة ذاته ومراجعتها بشكل يومي أو شبه يومي فستبقى هذه العملية قاصرة عن تحقيق مهامها وهنا يأتي دور الضمير وأهمية الوجدان وضرورة تنقيتهما من الشوائب التي تعلق بهما وتعكر صفاءهما بفعل الظروف والعوامل المختلفة التي تحيط بكل فرد إما المستويات الأخرى في المساءلة والمحاسبة والتي تقوم بها المؤسسات المختصة فتكون للحالات التي يكون فيها شذوذ عن القوانين والأنظمة والتي من المفترض إن تكون محدودة في حال وجود الرقابة الذاتية وبالتالي يكون أداء المؤسسات أفضل وأسلم وهذه العملية عملية مستمرة تتوازى مع العمل أو تكون جزءا منه لان الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقى ملازما للحياة وإذا لم يعالج فانه يتفاقم والعلاج لا يهدف إلى الانتقام والتشفي وإنما للردع ولا يقصد به صاحب الخطأ فقط بل كل من يخطر في باله إن يقع فيه بهذا الشكل نستطيع إن نضع إستراتيجية عامة للتطوير تكون إطارا محددا للخطوات والإجراءات الواجب اتخاذها في سبيل تحقيق أهداف هذه الإستراتيجية خاصة أن بلدنا قد مر بظروف تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة خلال القرن العشرين وكانت هذه الظروف تتغير بشكل متسارع ومازالت وقد غلب على هذه التغيرات الطابع السياسي واستطاع القائد الأسد خلال العقود الثلاثة الأخيرة وضع إستراتيجية عامة تلبى الحاجات المختلفة للتطوير المنشود شملت مختلف القطاعات وقد برهنت الإستراتيجية السياسية التي وضعها واشرف على تنفيذها ومتابعتها وتطويرها عن نجاحها الكبير حتى يومنا هذا أما في المجالات الأخرى وكما نعرف جميعا فلم يتماش الأداء فيها مع الأداء في المجال السياسي لأسباب عديدة لذلك كانت هناك فجوة كبيرة بينها ولو كان الأداء أفضل فان موقفنا السياسي سيكون أقوى دون شك وهو القوى أساسا لكن طموحنا يبقى للأحسن.

وكان الأداء في المجال الاقتصادي على وجه الخصوص يتموج ويتبدل بحدة نتيجة لتبدل الظروف التي كانت هي الأخرى شديدة التغير وخاصة عندما انتقل اقتصادنا من اقتصاد له أسواقه المفتوحة أمامه إلى اقتصاد مطلوب منه المنافسة وكانت المعالجة تتم من خلال إصدار قوانين ومراسيم وقرارات تتسم أحيانا بالتجريبية وأحيانا أخرى بالارتجال وفى البعض منها كانت تأتى كرد فعل على حالة معينة ولكن قليلا ما كانت تأتى هذه المعالجة فاعلة لا منفعلة أي إن تأخذ هي زمام المبادرة مستبقة الإحداث والسبب في ذلك انه لم يكن هناك استراتيجيات واضحة تخرج التشريعات من ضمنها بل تكونت الإستراتيجية الاقتصادية كمحصلة لمجمل هذه التشريعات الصادرة وبالتالي أتت ضعيفة وفيها الكثير من الثغرات وكانت مسؤولة إلى حد ما وليس بشكل كامل عن الصعوبات التي نعانى منها اليوم فإذا نحن بحاجة الآن إلى استراتيجيات اقتصادية اجتماعية علمية وغير ذلك تخدم التنمية والصمود في إن واحد وهى ليست موجودة كوصفات جاهزة بل أنها بحاجة إلى دراسات معمقة نستخلص منها النتائج التي على أساسها نحدد إلى أين يجب إن نتجه وهذا بحاجة إلى وقت وجهد وتعاون وحوارات مستمرة وموسعة.

 

العودة للصفحة الرئيسية للكلمات

الكلمة التالية >>