كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد  في افتتاح المؤتمر الرابع لاتحاد الصحفيين

15-08-2006م

 

أيتها الأخوات والإخوة أعضاء المؤتمر العام الرابع لاتحاد الصحفيين

أيها السيدات والسادة

يسعدني أن ألتقيكم في افتتاح أعمال مؤتمركم الرابع،وأن أتوجه إليكم بالتحية والتقدير ، ومن خلالكم ،إلى الصحفيين العرب الشرفاء الذين خاضوا بالأمس ويخوضون اليوم حربا إعلامية وثقافية لا تقل شراسة وخطورة عن المعارك العسكرية التي يخوضها إخوان لكم في ساحات الشرف والكرامة،

ومعركتكم هي معركة الأمة لصون عقلها وروحها والذود عن هويتها وتراثها ضد ما تتعرض له من غزو منهجي يستبيح كرامتها ويمزق وحدتها ويشوه قضيتها ويضرب إرادة المقاومة فيها من خلال الترويج لثقافة الانهزام والرضوخ والانقياد الأعمى في الاتجاهات التي يحدد سمتها العدو ومن يقف في خندقه ويسوق لمشاريعه.

يسعدني أن التقى بكم في هذا الشرق الأوسط الجديد بالمعنى الذي نفهمه وبالشكل الذي نريده، ولو لم يكتمل بعد . جديد بانجازات المقاومة، جديد بفرز القوى الواضح للعيان ، جديد بافتضاح ألاعيبه ومؤامراته ،وبانكشاف أقنعته وزيف مصطلحاته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.

هذا الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به سورية مرارا وتكرارا على أنه الأمل الوحيد للعرب لكي يكون لهم مكان على هذه الأرض بالمعنى السياسي وبالمعنى المادي، ولا يخفى على أحد منكم أنه لم يكن من السهل أبدا أن نتمكن من إقناع الكثيرين برؤيتنا للمستقبل،بل كان علينا انتظار هذا المستقبل لكي يصبح حاضرا ويتحدث عن نفسه،واليوم تتحدث الوقائع عن نفسها ليس كما تصورناها في الماضي فحسب بل بشكل أكثر وضوحا وتعبيرا.

نلتقي اليوم وشرق أوسطهم المنشود المبنى على الخنوع والمذلة وحرمان الشعوب من حقوقها وهويته، قد أصبح وهما بل انقلب إلى نهضة شعبية عارمة على مستوى الساحة العربية موسومة بالعروبة موسومة بالكرامة موسومة برفضها لكل ما قدم لها من أعذار وحجج تبرر بقاءنا أذلاء خانعين نقتل صامتين بنفس الطريقة التي كانت تقدم فيها الأضحية من أجل إرضاء الآلهة واتقاء لغضبها. ولكن تقديم الأضحية في تلك العصور كان يعتبر حكمة،فهل من المفترض أن نتبع هذه الحكمة اليوم، وهل من معنى للحكمة مفصولة عن الشجاعة والإقدام،،

لو أردنا أن نقتدي بغزو العراق، هذا الغزو الذي يذكرنا بالعصور الغابرة للبشرية، ولو أردنا أن نقتدي بنتائج هذا الغزو من تدمير وخراب

للعراق، يذكرنا بالعصور الحجرية للبشرية، فأنا أعتقد بأن هذه الحكمة مازالت سارية المفعول، والدليل أن البعض من حكمائنا العرب مازال يتبع هذه الحكمة اليوم.

فلكي تتواجد الحكمة لابد من وجود الشجاعة معها لكي تعطى صاحبها الاستقرار الضروري، لكي يكون حكيما. أما عندما يوجد الخوف فلا مكان سوى للحكمة الزائفة التي تدفع بصاحبها للهزيمة والمذلة تحت عنوان الحكمة، وفى عالمنا العربي الراهن ربما يتحقق النصر لنا تحت عنوان مزيف آخر هو المغامرة أو التهور.

أي إذا كانت الحكمة قد أصبحت في قواميس البعض من العرب هي الهزيمة والذل، فبشكل بديهي في هذه القواميس نفسه، سنرى الانتصار يعادل المغامرة والتهور.

ولكي لا نغرق في الكلام النظري لنسال أنفسنا ماذا حقق لنا الانقياد اللا حكيم واللا عقلاني والمتهور خلف بعض حكمائنا الافتراضيين وعقلائنا الشكليين خلال عقود مضت. حقق الكثير لكن ضد مصالحنا. ولنأخذ عملية السلام تحديدا كمثال، ولنتساءل إن كانت فشلت أم ل،. نحن نتحدث بشكل مستمر مؤخرا عن موت عملية السلام، وقبل ذلك كنا نتحدث عن فشل عملية السلام، وكل هذا الكلام صحيح لاشك فيه، لكن الأكثر دقة من أن نقول أن عملية السلام فشلت وهى فاشلة وميتة كما يقال، الأكثر دقة هو أن نقول أن العرب هم الذين فشلوا في عملية السلام عندما لم يفهموا معنى الخيار الاستراتيجي في السلام،أي لم يفرقوا بين خيار السلام الاستراتيجي وخيار السلام الوحيد. عندما يكون هناك خيار استراتيجي م، فلا يعنى انه لا يوجد خيارات إستراتيجية أخرى، أو أنه لا يوجد خيارات تكتيكية ليس بالضرورة إستراتيجية أخرى.

نحن العرب خلال مسيرة عملية السلام تبنينا خيار السلام الوحيد وألغينا كل الخيارات الأخرى ومن ثم استبدلنا مضمون السلام الوحيد بخيار السلام الرخيص أو المجاني، وفى هذا يفترض أن نقدم كل شيء لإسرائيل وأن نأخذ القليل. وفى الواقع، ومن خلال الممارسة قدمنا الكثير وربما قدم البعض كل شيء ولكن حتى القليل لم نحصل عليه بل لم نحصل على شيء على الإطلاق،ولذلك نرى اليوم بأن الفلسطينيين يدفعون ثمن ذلك الواقع في الماضي،ولهذا السبب رفضت سورية من خلال رؤيتها في ذلك الوقت أن تتنازل عن أي من حقوقها.

فعندما نقول اخترنا السلام كخيار استراتيجي فهذا لا يعنى أننا ألغينا الخيارات الأخرى بل بالعكس فكلما ابتعد السلام عن التحقيق، كلما ظهرت أهمية وضرورة البحث عن طرق وحلول أخرى لاستعادة حقوقن، وبالمقابل أكدنا في سورية على هذا الخيار، أي خيار السلام، منذ بدء عملية السلام مع تمسكنا بخيار المقاومة طالما أن السلام لم يتحقق وخصوصا أن الشريك المفترض في السلام هو طرف لا يؤمن بهذه المقولة أصلا وقدم لنا الدليل تلو الدليل بما يؤكد ذلك.

بمعزل عن المجازر العديدة في تاريخ إسرائيل تجاه العرب، وغيرها من الأدلة الأخرى، لكن هناك دليل واضح على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق شامير عند بدء عملية السلام عندما قال في عام 1991 سنجعل هذه العملية تستمر لعشر سنوات، يعنى لن يتحقق السلام. وفعلا صدق الآن وبعد خمسة عشر عاما لم يتحقق السلام. كانت إسرائيل تسوق قبل عملية السلام دائما في العالم أن إسرائيل تريد السلام وأن العرب يريدون الحرب،وكانت مفاجأة لهم أن العرب قبلوا الدخول في عملية السلام فكان رد الفعل هو هذا التصريح العلني.

ولكن الحكمة العربية السائدة كانت تقول انه علينا أن نغمض أعيننا لكي نحرج إسرائيل أمام المجتمع الدولي الذي تم اختصاره ببضع دول موالية لإسرائيل مهملة ومهمشة كل ما تبقى من دول هذا العالم والتي تقف في معظمها معنا وتدعم قضايانا والنتيجة أننا نحن الذين أصبحنا محرجين أمام شعبنا العربي وفقدنا احترامنا ومصداقيتنا أمام أصدقائنا وخصومنا في أن واحد. هذه كانت المسؤولية العربية في فشل عملية السلام. ولكن ماذا عن مسؤولية الآخرين، طبعا باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة في سلة واحدة، دول العالم بعد حرب 1973 حرب تشرين التحريرية اهتمت بالشرق الأوسط، ركزت كل اهتمامها على منطقتنا وبدأ الحديث عن السلام واستمر هذا الحديث عن السلام حتى وصلنا إلى عملية السلام في مدريد. ومر طبعا هذا الموضوع في مراحل مختلفة. عندما اطمأنت معظم دول العالم المهتمة بأن عملية السلام أقلعت من خلال المفاوضات، سلمت العملية برمتها للولايات المتحدة وبقيت الولايات المتحدة الراعي الوحيد لهذه العملية، والتي بدورها سلمتها لإسرائيل، وبالتالي كان كل مقترح يأتي للعرب خلال تلك الفترة إما أن يكون مقترحا إسرائيليا أو مقترحا صادق عليه الإسرائيليون. وعندما أدركت معظم دول العالم أن العرب أسقطوا خيار السلام الحقيقي واستبدلوه بخيار سلام استرضاء إسرائيل والولايات المتحدة أداروا ظهرهم لعملية السلام ولنا واليوم فقط في هذه المعارك تذكروا عملية السلام وتذكرونا. طبعا نستبعد إسرائيل والولايات المتحدة من موضوع السلام، لان إسرائيل عدو وكما قلت لا تريد السلام والسلام يفرض على إسرائيل إعادة الأراضي المحتلة لأصحابها وإعادة الحقوق، بينما هي عدو بني ولن يتغير على أساس العدوان والتوسع. أما الولايات المتحدة،فدائما نقول أنها ضرورية لعملية السلام وأساسية من خلال موقعها كقوة عظمى ومن خلال علاقاتها مع الأطراف المختلفة، لكن ليس أي ولايات متحدة،هذه الإدارة تتبنى مبدأ الحرب الاستباقية وهى حرب مناقضة تماما لمبدأ السلام، وثبت بعد ست سنوات من مجيء هذه الإدارة بأنه لا يوجد سلام،وبالتالي لا نتوقع سلاما قريبا في المدى المنظور.

وهنا نتساءل، هل تذكرونا وتحركوا مؤخرا بسبب القتل والدمار الذي سببه الإرهاب الإسرائيلي في لبنان،. بكل تأكيد ل، فسنوات من القتل والتدمير ضد الفلسطينيين لم تجعلنا نسمع عن مبادرات وحلول ونشاط مكثف لمجلس الأمن كما هو الحال اليوم. هل تحركوا خوفا من الفوضى أو قلقا على أمن المنطقة الذي يعنيهم مباشرة،. أمن المنطقة بكل تأكيد هو سبب كاف لهم لكي يتحركو، لكن المنطقة على حافة التفجير والانفجار، منذ عدة سنوات ، فلماذا لم يتحركوا حتى هذه المرحلة .

الحقيقة أنهم لا يتحركون إلا عندما تتألم إسرائيل، وإسرائيل لا تتألم إلا عندما نمتلك القوة. هذا يعنى بالمحصلة النهائية أن العالم لن يهتم بنا وبمصالحنا ومشاعرنا وحقوقنا إلا إذا كنا أقوياء. سوى ذلك فأنهم لا يفعلون شيئ، إلا أن يدفعونا بأقوالهم باتجاه السلام، ولكنهم يدفعوننا بأفعالهم باتجاه الحرب، وهنا يتحملون مسؤولية ما يحصل. أقصد الدول المهتمة بعملية السلام والمعنية وبمعظمها دول أوروبية. وهنا نتساءل ما هو الدافع الذي يحرك البعض من مسؤولي تلك الدول لكي يرسل الرسائل ويصدر البيانات بشأن شخص دخل إلى السجن عندما خالف القانون،.ولاحقا نفاجأ بأنهم يرسلون لنا رسائل بأن شخصا موجودا في السجن وهو مصاب بوعكة صحية، وهم قلقون جدا على الوضع الصحي لهذا الإنسان، يعنى ما هذا النبل،. ما هذه الإنسانية،. ما هذه العظمة،. الآن نسال أين هؤلاء من المجازر التي حصلت في لبنان،. كل هؤلاء الأطفال والنساء والشيوخ والدمار لم نر منهم شيئ، لم نسمع أي تحرك، لم تصلنا أية رسالة، ولا احتجاج، إلا بعض البيانات الخجولة. أنا أقول أن هذا أصاب مصداقيتهم بالصميم، وهذا يعنى أن هناك أهدافا أخرى لهذه الرسائل، نحن نعرفها ولكن أعتقد بأن الأمور الآن أصبحت واضحة. أيضا نسال ذلك المسؤول الفرنسي المتقد حماسة بشكل دائم ومستمر خاصة باتجاه سورية،ونسأل هل سيطالب بلجنة تحقيق دولية لكي تحقق بمجزرة قانا فقط،. ولا نتحدث عن بقية المجازر كما طالبوا بالتحقيق باغتيال الرئيس الحريري،.أم أن السبب والدافع كان هو أن المتهم الأول هو سورية وهذا دافع ومبرر والآن المتهم هو إسرائيل وهذا مانع،. أم أن أطفال قانا والآخرين هم من الفقراء الذين لا يستحقون نظرة من هذا المسؤول.

نحن مقتنعون بأن الطريق الطبيعي لتحقيق السلام هو المفاوضات ولكن عندما يفشل هذا الطريق أو لا يتوفر أصل، فالمقاومة بأشكالها المختلفة هي البديل من أجل استعادة الحقوق، والمقاومة ليست بالضرورة أن تكون فقط مقاومة مسلحة، وإنما ثقافية وسياسية وممانعة الأشكال المختلفة. فإذا دعم المقاومة هدفه السلام وليس الحرب وذلك من خلال الردع لمنع العدوان.

وان لم ينفع فمن خلال الحرب لتحرير الأرض، وبالتالي فالمقاومة ليست نقيض السلام ولا بديلا عنه بل هي، على الأقل، في ظروفنا الحالية،ضرورية من أجل تحقيقه. وإلا النتيجة ستكون خسارتنا معركة الحرب وخسارتنا معركة السلام، خاصة أن إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة قد انتقلا نهائيا إلى اعتماد الخيار العسكري المبنى على مذهب الحرب الاستباقية،بينما بقينا نحن كعرب في مكاننا نتحاور ونتفاوض مع أنفسنا مقتنعين بسلام موعود مع طرف وهمي يحضر نفسه يوميا من أجل عدوانه القادم على المواطنين العرب.

هذا الموضوع، موضوع المقاومة وضرورتها كان محل نقاش طويل وعبر سنوات ولأكثر من عقد من الزمن مع المسؤولين الأجانب والعرب، وفى المرحلة قبل تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية في عام 2000 كنا نناقش هؤلاء المسؤولين العرب والأجانب، طبعا لا نستغرب أن لا يفهم الأجنبي منطقن،ولكن في نقاش مع العرب، وهو ما يهمن، كنا نقول لهم أن هذه المقاومة ستحرر لبنان، كانوا يقولون طبعا البعض بأنها لا تشكل أكثر من خرمشة قط ،وفى عام 2000 تحرر لبنان بفضل المقاومة وثبت بأنهم كانوا على خطأ وبأننا كنا على حق. بعد العام 2000 تكرر هذا النقاش، بما أننا نحن العرب نحب أن نكرر التاريخ بتفاصيله بدون تطوير أحيان، تكرر نفس النقاش من خلال الضغوط على سورية في نفس الشأن، فكان جوابنا بأن المقاومة هي قوة رادعة لأي عدوان إسرائيلي، فكان أيضا جوابهم الرفض لهذا المنطق. الآن المعارك الأخيرة تثبت نفس الشيء. كانوا على خطأ وكنا على حق. يعنى خطأ مربعا بالرياضيات، ولو أردنا أن نحسب نفس النقاشات السابقة بالنسبة لمواضيع أخرى ابتداء من موضوع الإرهاب، مرورا بالحرب في العراق وإيران، لوضعنا رقما كبيرا.

ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة في لبنان صحة ذلك، فالعدوان على لبنان ليس مرتبطا بخطف العسكريين بشكل أساسي، بل هو محضر قبل ذلك بزمن بهدف استعادة التوازن للمخطط الإسرائيلي الذي أصيب بنكسات عديدة سواء بهزيمة الجيش الإسرائيلي أمام ضربات المقاومة وانسحابه عام 2000  أو بفشل حلفائه في لبنان في القيام بالمهام التي كلفوا بها خلال الفترة القصيرة الماضية. أما الأسر فكان بالنسبة لهم مجرد عذر أمام العالم للبدء بهذا العدوان. ولكن النتيجة كانت عبارة عن مزيد من الفشل لإسرائيل ولحلفائها ولأسيادهم، والمزيد من الرسوخ للقوى الوطنية الملتفة حول المقاومة،وتجذر فكر المقاومة في عقول وقلوب مئات الملايين في المنطقة العربية والإسلامية.

الكل يعلم الآن أن الخطة كانت محضرة وكتب الكثير عن أن هذه الخطة، أي خطة الحرب، كانت محضرة قبل ذلك بسنوات، ويقال في الإعلام الغربي والعربي بأن الإسرائيليين حضروا أنفسهم بشكل جيد لهذه المعارك. ويقال أيضا أن المخطط انتهى بشكل نهائي في شهر حزيران الماضي وكان منتظرا أن يبدأ التنفيذ في الخريف المقبل. البعض يقول حفاظا على الموسم السياحي،طبعا من غير الممكن أن تكون إسرائيل قلقة على الموسم السياحي ولكن ربما قلقة على مصالح عملائها في لبنان في هذا المجال. هذا يذكرنا بما قلته أنا في خطابي أمام مجلس الشعب في 5 آذار من العام الماضي 2005عندما قلت أن ما يحصل الآن هو 17 أيار والكثير من الأجيال الحالية لا تذكر ما حصل في 17 أيار الحقيقي في عام 1983 عندما كان قبل غزو لبنان في 1982 كانت هناك قوى لبنانية عميلة لإسرائيل تفشل في مخططاتها لضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشتركة في ذلك الوقت فبدأت تحرض وتدعو إسرائيل لإنقاذها من خلال الحرب، وفعلا تمت الحرب وكان الهدف منها ضرب المقاومة وإلحاق لبنان بالركب الإسرائيلي، وفشل 17 أيار. اليوم تتكرر نفس التداعيات، مجموعات لبنانية تفشل في تحقيق مخططها لمصلحة إسرائيل فتحرض لمجيء إسرائيل عسكريا لإنقاذها من الورطة ولضرب المقاومة،وبالتالي إلحاق لبنان بالركب الإسرائيلي. في ذلك الوقت كان هناك غطاء عربي، وفى هذه المرة أيضا كان هناك غطاء عربي. فأنا أؤكد على فكرة 17أيار، وكما قلت، أنا دائما أقول عن هذه المجموعات، 17 أيار. لا يهم ما هي التسميات التي يستخدمونه، مرة يقولون شباط ومرة آذار، هذه على طريقة عالم الأعمال. في عالم الأعمال عندما يفشل المنتج يعيدون طرحه في السوق بعنوان أخر ومع بعض التبديلات الشكلية. ونحن نؤكد أن المنتج هو منتج 17 أيار وهذا المنتج هو منتج إسرائيلي. طبعا الآن ستسمعون الكثير من الهجوم على شاشات التلفزة، ولكي نقيم الخطاب أن كان مفيدا أم ل،كلما كان الهجوم شرسا أكثر، كلما كان الخطاب جيدا أكثر. وطبعا سنضحك كثيرا لان هناك الكثير من الكوميديا السياسية الآن في الطبقة السياسية اللبنانية. فإذن الآن نستطيع أن نقوم بعملية ربط بين القرار 1559والقرار 1680 والقرار الأخير 1701 واغتيال الحريري والحرب الأخيرة،ودور هذه القوى اللبنانية ودور بعض القوى العربية. أصبح الربط واضحا.

تذكرون منذ سنتين أو أقل طبعا كنا نقول أن القرار 1559 لا علاقة له بالتمديد للرئيس لحود. كان من الصعب تماما إقناع الناس. الآن الشيء نفسه يتكرر، لا علاقة للحرب بأسر الجنديين، والآن العالم يعترف بهذا الجانب. فإذا لاشيء له علاقة بشيء، هناك مخطط محضر مسبقا ومن لا يرى هذه الحقيقة لديه مشكلة بالرؤي، بعد هذه كل هذه الأحداث والوضوح في الأمور، الرؤيا بالألف الممدودة في العقل وليس في العين. فإذ، هذه المقاومة ضرورية بمقدار ما هي طبيعية وشرعية، وشرعيتها تأتى من كون الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف منذ العام2000 من خلال الخرق شبه اليومي للطيران الإسرائيلي للأجواء اللبنانية كما أن إسرائيل ما تزال تحتل جزءا من الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى استمرار أسر مواطنين لبنانيين في سجونها منذ زمن طويل، أما ضرورتها فلنتأمل فقط في ما حققته المعارك الأخيرة من انجازات مباشرة على الواقع. كان أعظم ما في هذه المعارك أنها أتت ردا قوميا على الطروحات الانهزامية التي تم الترويج لها في منطقتنا وخاصة بعد غزو العراق. وزادها عظمة رد فعل الشعب العربي بشكل عام والذي أتى جوابه عروبيا خالصا ردا على الطروحات البغيضة المثيرة للفتنة التي سمعناها مؤخرا وعلى من يقف خلفه، وكأنه يقول لهؤلاء نحن عرب وهذه مقاومتنا ومن لا يقف معها ليس منا. هذا يعنى أن الشعور القومي بخير وهو لم يتراجع كما يدعى البعض، بل هو في أوج اندفاعه متجاوزا كل الأفكار الهدامة التي تحاول أطراف مشبوهة لا تخفى غاياته، تسويقها بين المواطنين العرب.

لقد أثبتت المعارك المجيدة التي خاضتها المقاومة بإيمان وكفاءة نادرة عددا من الحقائق،الحقيقة الأولى أن القوة العسكرية مهما عظمت عندما لا تمتلك عقيدة وأخلاقا ولا تستند إلى حقوق مشروعة ولا تبنى على سياسة مبدئية تنتج الهزيمة. الحقيقة الثانية أن المقاومة التي تمتلك الإيمان والعزيمة والصمود وتحتضن رؤية ومبادئ وأهداف الشعب، ويحتضنها الشعب ويتبناه، تنتج الانتصار. وفى هذه الحالة لا يتعدى انتصار العدو المدجج بالسلاح كونه تدميرا للحجارة وقتلا للمدنيين. وبما أن كل احتلال هو عمل غير أخلاقي فلابد له، بل يجب أن يفشل ويهزم، وإسرائيل هي النموذج. فالقوة العسكرية ليست كل شيء. والقوة التدميرية للسلاح ليست كل شيء، وإسرائيل لا تمتلك سوى القوة التدميرية على المستوى العسكري وبعض العناصر الأخرى على المستوى الدولي، ولكنها بالمقابل تمتلك نقطة قوة كبيرة هي ضعف العرب المعنوي قبل المادي. وعندما نقرر، والقرار بيدن، أن نتلافى هذه الثغرة فلا شك أن التوازن هو في مصلحتنا.

وهنا تكمن الحقيقة الثالثة التي تؤكد محدودية القوة الإسرائيلية رغم تفوقه، وتحددها بقوة إيماننا وثباتنا وإرادة القتال لدينا. وهذا الأمر يجب أن يعزز الثقة في نفوسنا ويمحو كل أثر للهزيمة النفسية التي عززتها الدعاية المعادية والتي يرى أصحابها أن المعركة محسومة مسبقا لصالح إسرائيل، أو أن الهزيمة قدر محتوم على العرب، كما يجب أن يدفع إسرائيل إلى التفكير في عواقب سياستها الإرهابية تجاه العرب في المستقبل. هنا نستطيع أن نجرى مقارنة ما بين حرب 1982 منذ 24 عاما والحرب الأخيرة في لبنان منذ أيام. في عام 1982 بدأت إسرائيل حربها أو دخولها إلى لبنان البرى في 6 حزيران، وصلت إلى بعيدا المشرفة على بيروت في 13 حزيران،أي في اليوم السابع كانت إسرائيل على مشارف بيروت، ومن ثم تابعت عملية تطويق بيروت واحتلالها. اليوم بعد خمسة أسابيع تقريب، إسرائيل تجاهد وتعانى لكي تحتل بضع مئات من الأمتار هن، وبضع مئات من الأمتار هناك.وتحاول أن تصل إلى أقرب نقطة من الليطاني وهى ستة كيلومترات ولا تتمكن. وأنا متأكد أنه لو كان هناك نبع لليطاني على الحدود الفلسطينية اللبنانية، أو كان هناك جدول، لوضعوا أقدامهم في الماء وقالوا لقد وصلنا إلى الليطاني. أصبحوا محل سخرية وفقدوا مصداقيتهم،وبالأساس لا توجد لديهم هذه المصداقية. يقولون احتللنا موقع، ثم يقولون قصفنا الموقع. المفروض بالعكس هذه بديهية أن نقصف بداية ومن ثم نحتل. على كل الأحوال، ما هو الفرق بين الحرب الأولى والثانية، أو لماذا. حقيقة في عام 1982 كانت الفجوة التقنية بين إسرائيل وبين الطرف المقابل الفلسطيني اللبناني ،كانت اقل من الفجوة اليوم .إسرائيل تضاعفت قوتها في هذه المراحل عدة مرات والفرق كبير بينها وبين المقاومة اليوم. لكن الفرق هو إرادة القتال. الحقيقة في عام 1982 كان هناك مقاتلون فلسطينيون ولبنانيون أشداء وقاتلوا فعلا ولكن هذا لا يكفى.

إرادة القتال لدى بعض القيادات في 1982 لم تكن موجودة على الإطلاق. أما الآن فهناك إرادة قتال موجودة لدى القاعدة ولدى القمة وهناك احتضان شعبي ساعد هذه المقاومة على هذا النجاح. هذا فرق أساسي يجب أن نعرفه عن الحربين. من الجوانب الأخرى الايجابية أيضا لهذه الحرب أنها عرت الوضع العربي بشكل كامل. طبعا لو سألنا أي مواطن عربي قبل هذه الحرب عن الوضع العربي سيقول الوضع العربي سيء وهذا الكلام صحيح. ولكن كان المواطن يرى الوضع العربي مع مساحيق تجميلية. الآن يراه صافيا بدون هذه المساحيق كما هو تماما. هذه الحرب منعت استخدام هذه المساحيق لأنها فرزت المواقف بشكل كامل، لم يكن هناك من إمكان لحلول وسط في مثل هذه الحرب، أسقطت أصحاب أنصاف المواقف أو أنصاف الرجال، وأسقطت كل المواقف المتأخرة. أي من كان ينتظر ميزان القوى ليرى أين تميل الكفة أو أين ترجح سقط وسقطت معه مواقفه. فهذه من الميزات الهامة جدا الآن بالنسبة لهذه المعركة.

لكل ما سبق، اعتبرت هذه المعركة بالنسبة لإسرائيل معركة حياة أو موت لأنها تفقد إسرائيل هيبتها وتأثيرها المعنوي علين، وبالتالي تفقد دورها التاريخي الذي أنشئت من أجله ووظيفتها بالنسبة للغرب، لذلك بدأ العمل الحثيث من أجل التعويض عن هزيمتها العسكرية وفشلها في تحقيق أهدافها على الأرض بأي انجاز سياسي دولي يبرر بقاء إسرائيل ودورها أمام مواطنيها وقيادتها وحلفائه، وكما هي العادة لم يجدوا سوى مجلس الأمن الذي حولته الولايات المتحدة من مجلس لحفظ الأمن، إلى مجلس لتقويضه من خلال قيامه بإصدار قرار يلبى مطالب إسرائيل وينقذها من ورطتها على حساب لبنان مهيئا المناخ للمزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.

لو عدنا إلى قرارات مجلس الأمن التي صدرت خلال العامين الماضيين،القرارات 1559 و1680 و1701 والقرارات المتعلقة بدارفور، على سبيل المثال، وغيرها من القرارات، لفهمنا تماما إلى أين يتوجه مجلس الأمن بأدائه، طبعا باتجاه التدخل في الشؤون الداخلية للدول وخلق الاضطراب.

البعض يقول أن مجلس الأمن عاجز. هذا الكلام غير صحيح. مجلس الأمن كان عاجزا عندما كان هناك توازن دولي. أما الآن فلو كان هذا المجلس عاجزا لما اعتمدت عليه الولايات المتحدة لإلحاق الأذى والضرر في أماكن مختلفة من هذا العالم. الحقيقة أن بقية العالم أو معظم العالم هو الذي أصبح عاجزا أمام مجلس الأمن. نقول مجتمع دولي . المجتمع الدولي عبارة عن مجموعة دول، جزء منها موجود في مجلس الأمن، وجزء منها حلفاء لها من خارج مجلس الأمن. يحاربوننا من خلال قرارات مجلس الأمن أو بدونه، أي بكل الأحوال سيحاربونن، ولكن قرارات مجلس الأمن تعطيهم هامش حركة أكثر وسهولة في هذه الحرب. ضعفنا يتجلى بأننا عندما نتحدث عن مجلس الأمن،

يقول البعض طبعا ليس فقط في العالم العربي وربما في أماكن أخرى من العالم، يقولون قرار مجلس الأمن، أو هكذا يريد مجلس الأمن، وكأن مجلس الأمن هو مجلس ذو سلطة إلهية وكأن قرارات مجلس الأمن هو كلام منزل وهذا الكلام خطير. لذلك الحل يكون كما قلت في السابق عندما تحدثنا عن القرار1559 في خطابي في مدرج الجامعة، الحل يكون هو أن القرار الوطني هو دائما أعلى من أي قرار دولي حتى لو أدى هذا الموضوع إلى القتال والحرب، فلا خيار لن، وهذا ما قلناه من خلال اتصالاتنا الأخيرة لكل من اتصل بنا واتصلنا به ولكل من التقينا به في هذه المرحلة خلال المعارك، كنا نقول أن أي قرار سيصدر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع أو أي فصل أخر لا يهم، سيكون أمامه مصيران، إما عدم التنفيذ أو عدم الاستقرار، عندما يحاولون تنفيذه بالقوة وغصبا عن دول المنطقة،وتحديدا هنا خارج الإجماع اللبناني. عنده، يتغير الوضع بالنسبة لمجلس الأمن، عندما تقرر كل الدول أن يكون القرار الوطني هو الأعلى لا خوف علينا من مجلس الأمن لأنه يعكس توازن القوى ونحن قررنا أن نكون ضعفاء،عندما نقرر أن نكون أقوياء سيتغير هذا التوازن بقرارات وبدون قرارات.

فإذا علينا أن لا نضيع الوقت ونتحدث في ظل هذا التوازن الدولي عن قرار جيد وقرار سيء. وهنا نبتعد عن التعابير الدبلوماسية التي تستخدمها وزارة الخارجية، كما في البيان الأخير. ونقول هناك قرار سيء وقرار أسوأ وقرار أقل سوءا طالما القرار يخص إسرائيل ويخص العرب، وأمريكا هي الحكم والخصم فستكون التقييمات بهذا الشكل. لكن هل هذا يعنى أن القرار الأخير لا توجد فيه ايجابيات على الإطلاق،. فيه ايجابيات. بالنسبة لنا أهم شيء هو أن تتوقف الحرب وأن يتوقف تدمير لبنان ويتوقف قتل المدنيين الأبرياء، الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم، هذا هدف أساسي بالنسبة لكل العرب للبنان وسورية وكل العرب، وأعتقد الكثير من الدول والشعوب في العالم. لكن التجربة علمتنا أن الايجابيات للشكل والسلبيات للمضمون، هذه المشكلة الوحيدة في هذا القرار. هذا القرار حمل المسؤولية للمقاومة، أنا لا أريد أن أدخل في تفاصيله، ولكن هذه النقطة من الأشياء الفاقعة والصارخة التي لا يمكن أن نقبلها من يتحمل المسؤولية بشكل بديهي، أنا لا أعطى موقفا هن، هي إسرائيل بالنسبة لأي شخص حتى خارج المنطقة العربية والإسلامية، إسرائيل هي من يتحمل المسؤولية، ولكن علينا أن نضيف عليها من يتحمل المسؤولية هم من شجعوا إسرائيل على المجيء إلى لبنان ووقفوا معها ودعموها. جماعة 17 أيار يتحملون مسؤولية الدمار والمجازر والحرب من أولها إلى أخرها. لذلك أتى هذا القرار كرافعة سياسية لهذه القوى، طبعا هدفه إنقاذ إسرائيل سياسيا مما لم تحققه مما خسرته عسكريا ولكن أيضا أتى كرافعة سياسية دولية، لماذا دولية،. لأنه لم يعد هناك رافعة وطنية تستطيع أن تحمل هؤلاء فاضطروا لإيجاد رافعة دولية، ستشكل هذه الرافعة الدولية منصة لهم لكي يبدؤوا الهجوم على المقاومة وكلنا رأينا مباشرة قبل أن يجف الدم، قبل أن يحصل أي شيء أخر، قبل أن يعود اللاجئون إلى ديارهم، بدؤوا مباشرة بالحديث عن نزع سلاح المقاومة. فإذا من مهامهم المستقبلية الآن بعد الحرب وبعد فشل الحرب هو إنقاذ الوضع الداخلي في إسرائيل والحكومة الحالية، إما من خلال إيجاد فتنة في لبنان، وبالتالي نقل المعارك باتجاه أخر من الداخل الإسرائيلي إلى الداخل اللبناني، أو من خلال إمكانية تحقيق نزع سلاح المقاومة. ولكن أنا أبشرهم بأنهم فشلوا والسقوط لا يبدو لنا بعيدا.

أيضا أثبتت هذه المعارك أن كلمة العرب لا قيمة ولا وزن لها في المحافل الدولية، فهي من المرات النادرة التي نجمع كعرب ونتفق على شيء من ألفه إلى يائه، وذهب الوفد العربي إلى نيويورك ممثلا كل الدول العربية من دون استثناء وقوبل بالرفض وبالإهمال طبعا ليس إهمالا للوفد وإنما إهمالا لمن يقف خلفه وهو نحن كدول عربية. الحقيقة ما غير وضع القرار السابق المقترح إلى الوضع الحالي وهو أقل سوءا هو الوضع الميداني وصمود الشعب اللبناني وصمود المقاومة وليس الأداء السياسي العربي. هذه نقطة هامة يجب أن نعرفها. الحقيقة في كل هذه الأمور نصل إلى نتيجة بأن الاعتماد على الوضع الدولي لا قيمة له أن لم نقم بالبحث عن عوامل القوة كعرب فلا قيمة لنا ولا أداء سياسيا ولا كل هذا الكلام وهو عبارة عن كلام وهمي. وأنا أعتبر بأن المعركة الحقيقية ابتدأت الآن، ليس بالمعركة العسكرية، الآن المعركة بعد كشف هذه المواقف والفرز الذي حصل بدأت المعركة الحقيقية وبكل تأكيد الآن بدأت المعركة من لبنان ونحن سمعنا كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أرسل لهم الجواب، من يقرأ الرسائل يفهم المضمون، ونعتقد بأن ليس فقط في سورية نحن معهم، وإنما كل الشعب العربي الآن موقفه منحاز للمقاومة بشكل كامل فإذن من الناحية العسكرية حسمت النتيجة لصالح المقاومة وإسرائيل هزمت منذ بداية العدوان وليس في نهايته بكل المقاييس العسكرية. ولكن الحرب تحمل معها الويلات ولقد دفع لبنان ثمنا كبيرا ماديا وبشريا وعلينا أن نقف معه كعرب لبناء ما تهدم، ولكن هل تذهب دماء الشهداء والأبرياء مجان،. علينا بالحد الأدنى أن نحول النصر العسكري إلى ربح سياسي،أقله في عملية السلام. فالنتائج الأولية للمعارك على المستوى السياسي كانت عودة الحديث عن ضرورة انجاز السلام وعودة الأراضي والحقوق، وتمت مشاورتنا كعرب في كل ذلك ، طبعا بعد زمن طويل، وهذا يعنى أن جزءا من هذه القضية عاد لأيدين،طبعا جزء بسيط كي لا نبالغ، والفضل كله للمقاومة والوقوف معها الآن ودعمه، هو ما سيمكننا من امتلاك الجزء الأكبر من هذا الملف وبالتالي يجعل الدول المعنية والمهتمة تأخذ رأينا ومصالحنا بالاعتبار.

بمعنى أخر المقاومة والسلام هما محور واحد لا محوران ومن يدعم جزءا منه عليه أن يدعم الجزء الآخر، ومن يدعى الخبرة وامتلاك الرؤية في السلام فليعرض علينا انجازاته في مجال المقاومة. عدا عن ذلك فالخبرة ناقصة لكي يؤخذ بها. وبما أننا نعيش الآن ظرفا استثنائيا ومفصليا فلا مكان للمجاملات والمساومات والتسويات وعلينا أن نتحدث بصراحة،نحن في سورية ولبنان وفلسطين لاختزال لنا أراض لم تحرر، هذا يعنى أننا نحن المعنيون بالحرب وبالسلم، وفى المقام الأول نحن نريد من أشقائنا العرب أن يقفوا معنا ونرحب بكل من يريد أن يقف معنا ولكن من خلال رؤيتنا وتقديرنا لمصالحن، فنحن من عانى في الحرب وفى مفاوضات السلام خلال العقود الماضية، ومن لا يقتنع برؤيتنا فلا نطلب منه سوى إفساح الطريق لكي نقوم بما يجب علينا القيام به ولن نطلب من أحد أن يحارب معنا ولا نيابة عنا. لأنه كلما حصل اضطراب نسمع بأن مسؤولا يقول لماذا ورطونا. لا أحد يورط أحدا. الحقيقة كل بلد مسؤول عن نفسه. لم يقولوا لنا هذا الكلام طبع، قالوه للمقاومة. لكن كمبدأ عام لا أحد يورط أحد، كل شخص مسؤول عن بلده كما قلت. لكن عليه بالحد الأدنى إلا يتبنى رؤية العدو لقضايانا وإلا يكون دوره على حساب مصالحن، فكل من لم يختبر الحرب لا يحق له أن يضع نفسه مرشدا ومعلما في السلام، ومقاومة اليوم هي التي ستحدد الاتجاه السياسي للغد، والموقف منها اليوم هو الذي سيحدد الأدوار التي ستلعب في الغد. بمعنى أخر زمن الاسترزاق السياسي والتطفل السياسي على القضايا انتهى، خاصة بعد هذه المعارك وبهذا الظرف الجديد انتهى. من يريد أن يلعب دورا لأسبابه الداخلية على حساب قضايانا هذا الموضوع غير مقبول، أو من يريد أن يلعب دورا من أجل أن يرضى الخارج أيضا على حساب قضايان، هذا الموضوع أيضا غير مقبول.

لم نقرر في سورية بعد أن نعرض قضيتنا للبيع في السوق الدولية ولا في أي سوق. ولا أعتقد بأن الفلسطينيين بعد أوسلو وواى ريفر وواى بلانتيشن وكل هذه التسميات، قرروا أن يبيعوا القضية ولا نرى هذا الشيء في لبنان. دور المقاومة في المرحلة المقبلة سيكون أساسيا على مستوى الساحة العربية ولا أقصد الآن المقاومة اللبنانية، أقصد المقاومة كفكر بعدما توسع بهذا الشكل الكبير خاصة مؤخر، ولكن لنأخذ دورها في لبنان أول، دورها على سبيل المثال في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير، قبل هذا الاجتماع في بيروت بثلاثة أسابيع كنا مجتمعين في القاهرة وكانت الأجواء في هذا الاجتماع تشبه تماما الأجواء التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق، انقسام شبه مطلق بين الدول العربية. فجأة خلال ثلاثة أسابيع لم يتبدل الوزراء ولا الحكومات وأصبحنا متفقين، على ماذ،. أو لماذ،. السبب هو الإجماع اللبناني. الجوهر في الإجماع اللبناني هو موقف المقاومة، لو أرادت المقاومة أن تقول لن نقبل بهذه النقاط أو نتحفظ على نقطة ما فلا قيمة لهذا الاجتماع، لن يحصل، ولو حصل وقالوا بعد الاجتماع الأفكار مرفوضة، لسقطت شرعية الاجتماع وسقط كل شيء. فهذا دور على سبيل المثال نذكره. لكن هناك دور أكبر سيكون جزءا من الوضع الداخلي للدول العربية، كلنا كمسؤولين عرب نريد الاستقرار لبلدانن، ولكن لا يمكن للاستقرار أن يتحقق أو أن يستمر في ظل الافتراق المستمر بين المواقف الرسمية والمواقف الشعبية. وفى هذه المرحلة وصل هذا الافتراق إلى ذروته. الشعب العربي انحاز بشكل واضح وربما بشكل شبه مطلق، ليس مطلق، لا يوجد شيء مطلق،وإنما بشكل كبير بمعظمه انحاز إلى جانب المقاومة وتحدانا كمواقف رسمية،تحدى صمت البعض منا وتحدى انحياز البعض من، وقرر الوقوف في هذا الاتجاه. فأنا أدعو كل الرسميين، كل مسؤول عربي، لكي ينحاز لجانب شعبه ولكي ينحاز بالتالي لجانب المقاومة لان هذا الشعب هو أساس الاستقرار الذي نتحدث عنه ونبحث عنه خاصة في هذه الظروف وخاصة بعد الحرب على العراق ومخططات التفتيت المطروحة في المنطقة. والتجربة علمتنا أن القوى الدولية المهيمنة التي ربما يركن إليها البعض هذه القوى تستخدم المسؤولين، وتستخدم الحكومات لمصالحها الخاصة، ضد مصالح تلك الحكومات وأحيانا لمصلحة أعداء تلك الحكومات. وتلقى بكل هؤلاء في أول هاوية بعد أن ينتهي استخدامهم، ويكونون قد خسروا الخارج بعد أن يكونوا قد خسروا الداخل.

لقد أحاطت بالحرب الأخيرة الكثير من الطروحات التي تجاوزت في بعض الأحيان حدود المقبول، بل هي اقتربت أو تطابقت مع حدود المحظور قوميا وأخلاقيا والذي قد يوحى ويشير إما إلى خلفيات مثيرة للشك أو إلى جهل كبير بحقائق الأمور، فمن الخطأ أن نستسلم في تقييمنا لهذه الحرب إلى رؤى ضيقة الأفق تفصل هذه المواجهة عن السياق العام لتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي وعملية السلام وانتكاساتها وتتعامل معها بعيدا عن تقدير مضامين المخططات الأمريكية والغربية وما يحصل في العراق وفلسطين ولبنان خلال السنوات الأخيرة. كل ذلك يؤكد التخطيط المسبق للعدوان ويوضح أن العدوان اسرائيلي في أدواته لكنه أمريكي تشاركه بعض الدول الغربية في قراره. أما أن يعتقد البعض أنه رد فعل على خطف الجنديين فهذه سذاجة لا مثيل لها.

أغلب هذه الطروحات وردت في بعض الكتابات والتصريحات، كأن يقال بأن المقاومة يجب أن تأخذ إذنا من الحكومة. الحقيقة أن المقاومات تأخذ غطاء وشرعية من الحكومة ومن الشعب ولكن لا تأخذ إذنا من الحكومة ولو افترضنا بأنها ستقوم بهذا الشيء فالجواب سيكون بشكل واضح الظرف لا يسمح الآن، بمعنى لن يكون هناك مقاومة لو أرادت أن تعتمد على الحكومات. طرحت كلمة مغامرين، إذا كان المقاومون مغامرين فهل نستطيع أن نقول بأن يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش والخراط وإبراهيم هنانو والشيخ صالح العلى، هؤلاء مغامرون،. هل سعد زغلول في مصر وسليمان الحلبي الذي قتل كليبر في مصر أيضا وهو سوري وجول جمال الذي فجر نفسه، كان أول استشهادي في المنطقة العربية بإحدى السفن الفرنسية، أيضا هو من سورية، هل كل هؤلاء أيضا مغامرون،. إذا كان الوضع كذلك فلنطلب من وزارات التربية في الوطن العربي أن تغير المناهج ولنطلب أن نغير كل هذه المصطلحات، طبعا هذا الكلام غير مقبول. طبعا نلاحظ دائما في بعض الطروحات الغربية العنصرية التي لا تزال موجودة تجاه العرب، يقولون الرد الاسرائيلي غير متكافئ، أي لو ردت إسرائيل بمقدار معين فعدوانها مقبول.

هم ليسوا ضد مبدأ العدوان، هم ضد المقدار. فلابد أن يأتي يوم ويضعوا لنا الجداول ويحددوا لنا فيها ما هو المقبول بالنسبة لإسرائيل أن تحققه من دمار وقتل لكي لا تعتبر متجاوزة ربما للجانب السياسي أو الحد الإنساني أو الأخلاقي أو المواثيق الدولية المختلفة.

أيضا طرح بأنه يحق لإسرائيل أن تدافع عن نفسها كرد فعل نتيجة الاعتداء الذي قامت به المقاومة. لو طبقنا / وهنا نرى ازدواجية المعايير / لو طبقنا نفس هذه الفكرة بمعادلة رياضية على الفلسطينيين، لو أرادوا أن يقوموا برد فعل فكم يحق لهم أن يدمرو، أن يقتلوا في إسرائيل. لو طبقناها من الناحية الفعلية، لما بقى شيء في إسرائيل. على كل الأحوال

ما أظهرته الوقائع الأخيرة بالنسبة للتحقيقات التي تمت مع شبكة العملاء التي القي القبض عليها مؤخرا في لبنان، وربطت هذه المعطيات مع مواقف جماعة 17 أيار قبل العدوان وبعد العدوان، تؤكد أن هذا المخطط كما قلت محضر مسبقا ونضعه في ثلاثة مسارات:

أمام هذا الواقع المأساوي نشأت المقاومات في الساحة العربية كحل وحيد لاستعادة الحقوق المستلبة. بعد كل هذا الكلام لابد أن تستنتج إسرائيل شيئا ويبدو أنهم لا يحللون، لأنهم لم يحللوا وضع المقاومة ولا قوته، ويبدو أن الإنسان عندما يصبح قويا جدا يفقد التوازن، لا يستطيع أن يرى الواقع بشكل دقيق أو بشكل عقلاني. إسرائيل حاولت، أو مازالت تحاول خلال عقود أن تكون جزءا من هذه المنطقة عبر مخطط كان يسمى في السابق الشرق الأوسط الكبير، لا أعرف أن كان هو نفسه الجديد أو ربما مع بعض التعديلات، ولكن هذا الطرح قديم، على أن تكون إسرائيل هي القوة المهيمنة في المنطقة العربية والعرب هم عبارة عن مال وعبيد وأقمار صناعية تدور في الفلك الاسرائيلي.اعتمدوا على فكرة أساسية أن كل جيل من الأجيال العربية التي ستأتي سيكون أكثر قبولا لإسرائيل من الجيل الذي سبقه، وبالتالي أكثر إذعانا.

فإذا القضية قضية زمن والزمن لمصلحة إسرائيل. لنرى على الواقع، لو افترضنا بأن الزمن الذي يفصل بين جيلين هو من 15 إلى 20 عاما فأنا أعتبر نفسي أمثل الجيل الثالث الذي أتى بعد اغتصاب فلسطين. والآن الجيل الرابع موجود جزء منه معنا في هذه القاعة وهو شاب واكتمل وعيه السياسي.

الحقيقة ما يجب أن تعرفه إسرائيل أن كل جيل يأتي هو أكثر كرها لإسرائيل من الجيل الذي سبقه. وكلمة كره ليست كلمة جيدة، نحن لا نكره ولا نشجع العالم على الكره، لكن الحقيقة أن إسرائيل لم تترك مكانا في منطقتنا إلا للكره، لم تترك مكانا. على سبيل المثال، طبعا نحن نقرأ عن مجازر دير ياسين وغيرها من المجازر والأشياء الأخرى التي قامت بها إسرائيل ضد العرب، ولكن ما عشته أنا وجيلي عاش مجازر صبرا وشاتيل، عاش مجزرة قانا الأولى، والآن يعيش مجزرة قانا الثانية. الجيل الرابع يذكر مجزرة قانا الأولى ويذكر مجزرة قانا الثانية. الأطفال الآن يسالون لماذا هؤلاء الأطفال يموتون،. هم يتكون وعيهم للحياة من عبر مجزرة قانا الثانية، فإذا يجب أن تعرف إسرائيل أن الزمن ليس في مصلحته، بل بالعكس، سيأتي جيل يكون أشد تصميما على ضرب إسرائيل وسينتقم من كل ما قامت به في الماضي، وعندها سيدفع الثمن أبناؤكم للإسرائيليين. وأنا أريد أن أتحدث من الواقع أيض، إذا أرادت إسرائيل أن تحلل فعليهم أن يحللوا الحروب العربية الإسرائيلية/1948/1956/1967/1973/ 1982/ والصدام مع المقاومة في /1993/1996/ والحرب الأخيرة. هم لو حللوها سيلاحظون. طبعا هذه الحروب تمثل الأربعة أجيال، يلاحظون أن المقاتل العربي قد ازداد تصميم، فهذه المعارك وهذه الحروب تعكس الوضع العربي تجاه إسرائيل. فإذا نقول لهم لقد ذقتم الذل في المعارك الأخيرة في لبنان، وفى المستقبل أسلحتكم لن تحميكم، لا الطائرات ولا الصواريخ ولا حتى القنابل الذرية، الأجيال تتطور والأجيال المستقبلية في العالم العربي ستتمكن من إيجاد الطريقة لهزيمة إسرائيل بشكل أكثر شدة مما رأيناه في المعارك الماضية. فإذا على القيادات الإسرائيلية أن تتخلى عن حماقتها وعن غرورها وتعرف أنها أمام مفصل تاريخي الآن، فإما أن تذهب باتجاه السلام وعودة الحقوق، أو أن تذهب باتجاه اللااستقرار المستمر حتى يحسم الأمر بجيل من الأجيال.

أيها الإخوة،

لقد سطرت المقاومة الوطنية اللبنانية البطلة بدمها وتضحيات أبنائها ملحمة خالدة في حياة الأمة وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر ودفنت تحت أقدامها سياسة الاستسلام والهوان وبرهنت أن قوة الإيمان بالأرض والوطن تهزم قوة السلاح مهما عظم وتجبر. وإنني أتقدم بالتحية والتقدير والإكبار لرجال المقاومة وأقف إجلالا لشهدائها البررة وأحيى الشعب اللبناني الشقيق الذي كان بصموده الحاضنة الأساسية لها. ونقول لكل من يتهم سورية بأنها تقف مع المقاومة، وهذه التهمة قديمة ليست تهمة جديدة أبد، نقول لكل من يتهم سورية، إذا كان الوقوف مع المقاومة هي تهمة وعار، فهي بالنسبة للشعب السوري شرف وافتخار. هذه المقاومة هي وسام يعل ق على صدر كل مواطن عربي، ليس فقط في سورية، مع كل قطرة عرق، مع كل قطرة دم، مع كل صاروخ يدمر دبابة، ومع كل جندي إسرائيلي يهزم في أرض لبنان، فنحن نعتبر أن هناك وساما يعلق على صدر كل مواطن عربي.

أما أنت أيها الشعب العربي السوري فكلمة فخور أقل من أن تعبر عما يشعر به الإنسان تجاه عظمة وقوفك مع إخوتنا اللبنانيين. لقد كنت كبيرا في حين أرادك البعض صغيرا غارقا في الأحقاد. والكبير يفاجئ الخصم دائما بما لا يتوقعه. وجهت صفعة لمن أرادوا خلق شرخ بين سورية ولبنان فكنت رائعا في استيعابك لحجم المؤامرة وقويا بردك عليها. باختصار كنت قلب العروبة النابض بكل ما تحمله هذه الكلمة من حرارة سترتفع ومعنى سيزداد قوة عندما نحرر الجولان بأيدينا وعزيمتنا وتصميمنا.

أن قدر سورية هو الاعتزاز بالعروبة والدفاع عنها وصونها لأنها الأساس الوحيد لمستقبل مشرق ومشرف نبنيه من أجل أبنائنا ولنغرس في قلوبنا وعقولنا أن لا مكان في هذا العالم لغير الأقوياء. والقوة تبدأ بقوة العقل وبقوة الإرادة وبقوة الإيمان وهى أساس المقاومة والطريق الوحيد لتحقيق النصر. أما انتظار الحلول لقضايانا من قبل الآخرين والإيمان بقدرة المجتمع الدولي بديلا عن الإيمان بقدراتنا وتسليم عقولنا للخوف وإرادتنا للغير فهو نقيض الحكمة بل هو الجهل بعينه. أكرر تحياتي لكم أيها الإخوة الصحفيون وتمنياتي لمؤتمركم بالنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

<< الكلمة السابقة

العودة للصفحة الرئيسية للكلمات

الكلمة التالية >>