كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد أمام مؤتمر القمة الإسلامية - الدوحة
13-11-2000م
صاحب السمو الأخ رئيس المؤتمر
أيها الإخوة
السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته
يسرني
في مستهل كلمتي
أن أتوجه بخالص التحية إلى سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
رئيس المؤتمر
متمنيا له التوفيق في إدارة أعمال مؤتمرنا والى شعب دولة
قطر الشقيق
متمنيا له دوام التقدم والازدهار ومن دواعي سروري أيضا أن أعرب
عن وافر الشكر
والتقدير لحجة الإسلام السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية
الإسلامية
الإيرانية الذي أدار بحكمة وكفاءة رئاسة المؤتمر الإسلامي خلال
السنين التي تولى
فيها رئاسة القمة الإسلامية جلستنا هذه هي جلسة من اجل
ما يحدث الآن في
فلسطين في الانتفاضة ولن أتحدث عنها بشكل مباشر لن أتحدث
عن بطولات الشعب
الفلسطيني عن الشهداء الذين سقطوا ولاعن بطولات شبان
الانتفاضة ولاعن
الإجرام الإسرائيلي فقد تكلم الإعلام بما فيه الكفاية
والكل يعرف ما
يحصل الآن في فلسطين وعن الحقوق الفلسطينية وماذا تعنى وكيف
تعود ونحن هنا
لكي نحلل الأسباب بهدف إيجاد الحلول الممكنة لما يجرى طبعا
قضية الأقصى ليست
قضية مجردة بل هي أو غالبا ما تكون نتيجة لعوامل أخرى
الأقصى والقدس
وقضية فلسطين هي جزء من الصراع العربي الإسرائيلي والذي
يتأثر بالوضع
الإسلامي والذي هو جزء من الوضع الدولي
وبالتالي ثغرات
الوضع الدولي تنعكس على العالم الإسلامي وثغرات العالم
الإسلامي تنعكس
على الوضع العربي الذي بدوره ينعكس على الوضع الفلسطيني
وقضية القدس أو
الانتفاضة وبالتالي نحن كدول إسلامية لا نستطيع أن نتعامل
مع القضية
الفلسطينية إذا لم نكن قادرين على التعامل مع الوضع العام المؤثر
فيها بشكل فاعل
وجدي .
أيها الإخوة
لا نأتي بجديد إذا
قلنا أن مؤتمرنا هذا ينعقد في ظل ظروف بالغة التعقيد فمنذ انعقاد موءتمر منظمتنا الأول
عام/1969/ لم تكن الظروف طبيعية أو عادية ولم يكن الخطر بعيدا جدا عن شعوبنا وما
اختلف منذ ذلك الوقت حتى الآن أن هذا الخطر أصبح داهما واقترب كثيرا من نقطة
التفجير الشامل للوضع
المهيأ أساسا للانفجار وفى
الفواصل الزمنية بين مؤتمراتنا كنا نشهد المزيد من إزهاق الأرواح في منطقتنا ونرى
الأمة العربية والإسلامية
تضيف إلى رصيدها المزيد من الفقر والجوع والكثير من الظلم والاضطهاد كما
رأيناها تبتعد أكثر فأكثر عن هويتها حتى تكاد تذوب في هويات الآخرين وفى المقابل
كانت دول أخرى تزداد
طغيانا واستغلالا ويشرعن قتلها وتدميرها للغير مما أدى إلى تزايد شدة التناقضات
والمفارقات في مناطق
مختلة من العالم وبنظرة
متأملة للعقود الماضية نرى أن نقلة تراجعية كبيرة إلى الوراء قد تمت بالنسبة إلى
دول المنطقة ترافقت
مع ظهور مفاهيم جديدة مختلفة وخاصة في العقد الماضي وفى مقدمتها مفهوم النظام
الدولي الجديد
أو ما يسميه البعض بالعولمة وهى طبعا شيء مختلف عن النظام الدولي ولكننا
نرى أن هناك خلطا بين المصطلحين عن معرفة أو عن عدم معرفة فالعولمة تلك الحالة
الثقافية الاقتصادية
السياسية ليست حالة جديدة كما يعتقد الكثيرون فالإسلام تجاوز منذ ظهوره الحدود
الجغرافية والقوميات
والثقافات المختلفة ولكنه لم يلغها.
بل أكد على
الالتزام بالوطن والأمة بانيا ذلك على أسس سليمة مختلفة إلى حد كبير عما نراه في
حالتنا الراهنة
وبالتالي فان السلبيات والمصاعب التي نعانى منها في الوقت الحاضر هي ليست نتيجة
مطلقة للعولمة التي
يمكن أن تكون حالة مليئة بالايجابيات أن استندت إلى ما استند إليه الإسلام من العدل
والمساواة إضافة إلى
مبادئه السمحة الأخرى إما النظام الدولي الجديد فهو ليس كذلك بمعناه الحرفي فكلمة
دولي تفهم على
أنها مشاركة دول العالم كافة واتفاقها على طريقة أو أسلوب معين لإدارة هذا العالم
بالشكل الذي يحقق مصالحها
بلا استثناء إما ما نراه اليوم وما عشناه خلال السنوات القليلة الماضية فهو ليس
نظاما دوليا بل هو
نظام دولة أو بضع دول على هذه الكرة الأرضية إما ما تبقى منها فهو دول سابحة في هذا
النظام الغريب بعضها
يعوم على السطح بصعوبة وعليه أن يثبت وباستمرار حسن النيات والطاعة والالتزام ومع
ذلك فهو دائما
مخطئ ومطلوب منه أن يكفر عن ذنوبه وبعضها الآخر غارق في القاع إلى اجل غير مسمى
وأصبح كل
ما يتماشى مع رغبات تلك الدول الكبرى ديمقراطية وعدلا وكل ما يحقق مصالحها هو حقوق
إنسان وحضارة
بشرية وبغض
النظر عن تسمية أو تسميات مختلفة تطلق على هذا النظام أو نظريات تظهر من وقت إلى
أخر بعضها
يدعو للخضوع له وبعضها الآخر للحذر منه وغيرها لمقاومته فهو في الواقع يمثل مشهدا
متكاملا لغياب التوازن في
عالمنا الحالي
وهذا التوازن المقصود ليس بالضرورة ذا طبيعة اقتصادية أو
عسكرية بل هو
توازن قيم وأخلاق ومفاهيم هو توازن عدل وإنصاف بين الشعوب
والأمم بين الغرب
والشرق بين الشمال والجنوب فلا يجوز أن توصف المقاومة من
اجل تحرير الأرض نضالا في مكان ما وإرهابا في مكان أخر ولا حقوق الإنسان هي حقوق
للدولة في بلد وبالعكس في بلد أخر كما
تم وصف
الديمقراطية لدى شعب ما بالتخلف بينما رقيت الفوضى إلى مرتبة
ديمقراطية لدى
شعب ثان ولعل اخطر المفارقات الناجمة عن هذا الوضع هو تصنيف
البشر بأصناف لا
نعرف ما هي معاييرها فعلى سبيل المثال نرى بان مقتل جنديين
من القتلة في
الجيش الإسرائيلي هو أهم بكثير من استشهاد العشرات من
الأبرياء العرب
المسلمين والمسيحيين في فلسطين والآلاف في لبنان ودول
عربية وإسلامية
أخرى كما أن اسر ثلاثة محتلين في الأراضي اللبنانية
المحتلة يقيم
الدنيا ولا يقعدها بينما عشرات من المختطفين اللبنانيين
والسوريين
والمئات من المعتقلين الفلسطينيين والعرب لا تحرك شيئا لدى
المجتمع الدولي ولم
يعد مستغربا أن تصدر لوائح تحدد فيها قيمة الإنسان لدى شعب وما يقابلها لدى الشعوب
الأخرى إما
الديمقراطية فقد
أصبحت تفسر على أنها حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول
والشعوب الأخرى
وعندما تطالب تلك الدول بديمقراطية العلاقة مع الآخرين
تعطى دروسا في
قبول الرأي الآخر من قبل من يرفضون الآخر رأيا ووجودا ودينا
ومبادئ حق وخير
هذا الوضع الذي أتحدث عنه أكثر من عانى منه هو شعوبنا
الإسلامية فخلال
المرحلة التي تلت الحرب
العالمية الثانية
وحتى نهاية الثمانينات أي الفترة المسماة بحقبة الحرب
الباردة ظهر
الصراع جليا بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية وقد خلق هذا
الصراع محاور
وتجمعات متباينة وهيمنة دول على دول أخرى بحجج مختلفة وكان
هناك بنفس الوقت
دعوات لحوار الحضارات هذه الدعوات تزايدت بعد انتهاء تلك
الحقبة مع تزايد
القناعة بزوال أسباب التوتر الدولي وعلى ما يبدو أن هذا لم
يكن مناسبا
لمصالح البعض لذا كان لابد لهم من ابتداع عدو جديد للإبقاء على
حالة التوتر وما
يعنيه من إبقاء أسباب ومبررات الهيمنة على دول ومناطق
متعددة في العالم هذا
العدو الجديد الذي ظهر في
التسعينات هو
ديننا الإسلامي الحنيف دين الأخلاق والعدل والمحبة الذي تم
تشويهه إعلاميا
وتثقيفيا وتربويا ليغدو دين القتل والتطرف والإرهاب فكلما
حدث اضطراب في
منطقة ما من العالم وجهت أصابع الاتهام للإسلام ولو لم يكن
للمسلمين وجود في
تلك المنطقة وكل عملية تخريب أو عمل إرهابي منفذه هو
مسلم حتى يثبت
العكس وغالبا ما يثبت العكس إما الاتهام فيبقى كما هو
وبالتوازي حورب
الإسلام الصحيح من خلال تغذية التطرف واستخدامه في ضرب
الإسلام
والمسلمين والآن يصور هذا التطرف الذي جرت تنميته من خارج الأمة
الإسلامية على
انه الإسلام الحقيقي وذلك إمعانا في تشويه صورته الناصعة
وإسرائيل ابرع من
شوه هذه الصورة وأية صورة حقيقية أخرى ولا
أدل على براعتها من استغاثاتها التي نسمعها اليوم حول ما يحصل في القدس وبقية
الأراضي العربية المحتلة فهي تطالب
وبشكل يستفز
المشاعر بوقف العنف الفلسطيني وبوقف تدمير الدبابات
الإسرائيلية
بحجارة أطفال وشباب الانتفاضة فهي تظهر الضحية بمظهر المجرم
والقاتل بمظهر
البريء ولم يعد للشعب الفلسطيني الذي عاش على ارض فلسطين
ولآلاف السنين
دون انقطاع الحق في أن يعيش على
ارض أجداده بل أن
المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين
أصبح هو الآخر
معتديا على أساطير وخرافات يريدون أن يقنعوا العالم بوجودها ولو
اضطرهم ذلك إلى
تزييف التاريخ ووضعوا إمام العرب والمسلمين خيارين إما أن
يبقى المسجد تحت
السيادة الإسرائيلية الكاملة مع ما يعني ذلك من احتمال
تدميره في
المستقبل أو أن يضعوه تحت السيادة السماوية بحسب قولهم وبالتالي
إمكان قصفه
بالطائرات متى شاؤوا مع الاحتفاظ بالسيادة الإسرائيلية تحت
الأرض وبالتالي
سحب تلك الأرض من تحته وسحب البساط من تحت التاريخ والوجود
الإسلامي في ارض
فلسطين وهنا تظهر عنصرية إسرائيل بوضوح تام فالأقصى ببعده
الإسلامي والقدس
ببعدها العربي الإسلامي المسيحي أصبحا خطرا يهدد المزاعم
الصهيونية
التوسعية التاريخية وبالتالي فهم في سعى دائم لنسف تلك الإبعاد
وطمسها وهذا
الكلام ليس من بنات أفكارنا كما
انه لا يستند إلى
توقعات وتحاليل من لاشيء بل هو نابع من تاريخ إسرائيل
وممارستها منذ
إعلان قيامها عام/1948/ والذي إذا تجاوزنا منه مجازر لا تعد
ولا تحصى فإننا
لا نستطيع تجاوز محاولة حرق المسجد الأقصى منذ أكثر من
ثلاثين عاما
والتي كانت سببا أساسيا في انعقاد مؤتمرنا الأول مرورا
بمحاولات تهويد
القدس المستمرة من خلال القضاء على معالمها الإسلامية
والمسيحية
والتأكيد على أنها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل على الرغم من أن
التوراة تتحدث عن
ارض كنعان التي هي فلسطين والكنعانيون وهم قبائل عربية
أسسوا القدس قبل
ثلاثة ألاف سنة قبل المسيح أي قبل خمسة ألاف سنة من اليوم
ولم يكن وجود
العبرانيين في فلسطين عبر التاريخ إلا وجودا عابرا ومتباعدا
كأقلية ضمن سكان
البلاد الأصليين أن
هذه
العنجهية الإسرائيلية
والممارسات البعيدة كل البعد عن أخلاقيات وتعاليم أي
دين من الأديان
السماوية لم تكن لتحدث لولا توفر التشجيع والدعم لها من
دول وجهات متعددة
فالإسرائيليون يقتلون والعرب والمسلمون يتهمون بالإرهاب
ومعاداة السامية
مع معرفتهم الأكيدة بأننا ساميون وسابقون على غيرنا من
الساميين هم
يسحقون مبادئ حقوق الإنسان ونحن ندان ونوصف باللا إنسانيين
والمتخلفين ومن
ثم يشتمون النازيين القدامى ويمارسون نازية جديدة لم نقرأ
عن مثلها في
التاريخ الإسرائيليون
يكدسون جميع
أسلحة الدمار الشامل وفى
مقدمتها الأسلحة النووية وتتحرك حكوماتنا للطلب
من الدول والجهات
المعنية للسعي إلى إزالة هذه الأسلحة فيأتي الجواب بقصف
مصنع للأدوية في
السودان وهم لو سئلوا فلكل شيء عندهم جواب سوف يقولون
أنها أدوية دمار
شامل الإسرائيليون
يخرقون ميثاق الأمم المتحدة من ألفه إلى يائه وتحاصر ليبيا وغيرها من الدول يدمر
العراق من اجل قرارات الأمم المتحدة وتدمر قرارات الأمم المتحدة من اجل إسرائيل ومن
الأمور المؤسفة والمضحكة في نفس الوقت أن بعض قرارات مجلس الأمن تفسر بحسب خطوط
الطول والعرض وبحسب الدول التي تطبق عليها كل
هذا لا يغير قناعاتنا بضرورة التوصل إلى سلام عادل وشامل مبنى على قرارات الأمم
المتحدة ومستند إلى مبدأ الأرض
مقابل السلام
ويتضمن الانسحاب الإسرائيلي من الجولان المحتل والأراضي
الفلسطينية
المحتلة حتى خط الرابع من حزيران عام/1967/ بالإضافة إلى
استكمال انسحاب
إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعطاء الشعب
الفلسطيني حقوقه
الكاملة بما فيها حق تقرير المصير وعودة اللاجئين ودولة
مستقلة ذات سيادة
عاصمتها القدس وإطلاق المعتقلين العرب كافة من المعتقلات
والسجون
الإسرائيلية هذا
موقفنا نردده على كل منبر وفى كل مناسبة مؤكدين على أن البشر لم يقسموا إلى شعب
مختار وشعوب أخرى أتت
بالصدفة فكل
مخلوق على الأرض مختار من الله تعالى الذي هو مصدر العدل في
هذا الكون والذي
لم يعط الأرض لمن لا يملكها وسيعيدها إلى من عاش عليها
لآلاف السنين
مهما طال الزمن ومهما كثرت التضحيات.
أيها الإخوة
إن توقعات شعوبنا منا
كثيرة وكبيرة وإحباطاتها في الماضي والحاضر اكبر لكن هذا لا يمنعنا من التفاؤل
فكلنا يقدر الظروف
المختلفة ويعرف
الإمكانيات وهى لا تطالب بأكثر من الحد الممكن الذي تستطيع
دولنا القيام به
خاصة أن قناعة تولدت لدى الكثيرين في هذه الشعوب بان عدة
دول وعلى رأسها
إسرائيل لا تريد الخير لنا وتسعى لإبقائنا على أوضاعنا
الراهنة من فقر
وتخلف لكي نبقى ندفع الثمن وهم يقبضون ماديا ومعنويا وإذا
كنا نجتمع هنا
ليس بهدف الدعوة إلى الحرب وإنما لإسماع صوتنا للعالم
بأكمله كحد أدنى
فليكن هذا الصوت عاليا وإلا بقى داخل هذه القاعة من دون
أي اثر أو قيمة
ومن هنا نطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل بهدف زجرها وردعها
عن الاستمرار
بأعمالها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني والمس بمقدساتنا
الإسلامية
والمسيحية وشعائرنا ومعتقداتنا ونؤكد على أن مصير المسجد الأقصى
هو محور الصراع
الدائر حاليا بين الصهاينة والمسلمين ويخطئ من يعتقد أن
العلاقة مع
إسرائيل تساهم في حماية هذا الصرح وحماية الشعب الفلسطيني ، بل
الأمر على العكس
من ذلك أنها تساهم في تدميره وهذا يحرمه الإسلام كذلك يجب
دعم صمود الشعب
الفلسطيني من خلال إيجاد السبل الكفيلة بترسيخ وجود هذا
الشعب في أرضه
وتأمين وسائل صموده ولا ننسى أن نؤكد أيضا على أهمية
العلاقات المتينة
بين دولنا وشعوبنا وتعزيز التضامن والتكامل فيما بيننا
في المجالات كافة.
أيها السادة
نتمنى أن لا يكون
مؤتمرنا هذا هو مؤتمر إثبات حسنا لنيات فقط فديننا هو دين النيات الطيبات والعمل
الصالح إما الطاعة
فهي لله وحده والالتزام بالإسلام والأمة والوطن ولتكن هذه القمة لقاء من اجل إثبات
الرغبة والقدرة على أن يكون
لنا مكان في العالم وكما
قال الرسول الأعظم في حديثه الشريف المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته